|
|
|
|
|
|
أعظم المصائب
مثل نفسك يا مغرور و قد حلت بك السكرات و نزل بك
الأنين و الغمرات فمن قائل يقول أن فلانا قد أوصى و ماله قد أحصى و من
قائل يقول أن فلانا ثقل لسانه فلا يعرف جيرانه و لا يكلم اخوانه فكأني
أنظر إليك و أنت تسمع الخطاب و لا تقدر على رد الجواب ثم تبكي ابنتك و
هي كالأسيرة و تتضرع و تقول:
و أقبلت الصغرى تمرغ خدها على وجنتي حينا و حينا على صدري
و تخمش خديها و تبكي بحرقة تنادي أبي إني غلــبت على الصبـــر
حبيبي أبي من لليتامى تركتهم كأفراخ زغب في بعــد عــن الوكـــر
فالموت ليس بعدم محض و لا فناءٍ صِرف و إنما هو انقطاع تعلق الروح
بالبدن و مفارقته و حيلولة بينهما و تبدل حال و انتقال من دار إلى دار
، و هو من أعظم المصائب ، و قد سماه الله تعالى مصيبة في قوله: ((
فأصابتكم مصيبة الموت)). فالموت هو المصيبة العظمى و الرزية الكبرى .
تخيل نفسك يا ابن آدم إذا أُخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك ، فغسلك
الغاسل و ألبست الأكفان و أوحش منك الأهل و الجيران و بكت عليك الأصحاب
و الأخوان و قال الغاسل أين زوجة فلان تحالله وأين اليتامى ترككم أبوكم
فما ترونه بعد هذا اليوم أبدا و أنشدوا:
ألا أيها المغــرور مالك تلـــعب تأمل آمالا و مـــوتك أقــــــرب
و تعلم أن الحـــرص بحر مبعد سفينة الدنيا فإياك تعطـــــب
و تعلم أن المــوت ينقض مسرعا عليــك يقينا طعمــه ليس يعــذب
كأنك توصــي و اليتامى تراهـمُ و أمهم الثكلا تنوح و تندب
تغص بحـــزن ثم تلطــم وجهها يراها رجال بعــــد ماهي تحجــب
و أقبـل بالأكفان نحــوك قاصـد و يُحثى عليك التراب والعين تسكب
من الموت طالبه و القبر بيته و التراب فراشه و الدود أنيسه و هو بهذا
ينتظر الفزع الأكبر " يوم يقوم الناس لرب العالمين " ؟
كفى بالموت مقرحا للقلوب و مبكيا للعيون و مفرقا للجماعات و هادما
للذات و قاطعا للأمنيات فهل تفكرت يابن آدم في يوم مصرعك و انتقالك من
موضعك ، إذا نقلت من سعة إلى ضيق ، و خانك الصاحب و الرفيق و هجرك الأخ
و الصديق و أخذت من فراشك و غطاءك إلى عرر و غطوك من بعد لين لحاف
بتراب و مدر. فيا جامع المال و المجتهد في البنيان ليس لك و الله من
مالك إلا الأكفان بل هي و الله للخراب و الذهاب و جسمك للتراب و المآب.
فأين الذي جمعته من المال ، هل أنقذك من الأهوال ؟
كلا بل تركته لمن لا يحمدك و قدمت بأوزارك على من لا يعذرك . فإن حق
المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في الطين و الماء و
التجبر و البغي.
احذروا الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات و حليت بالآمال و زينت
بالغرور ، غرارة غرور ما فيها " و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "
، فانية فان من عليها " كل من عليها فانٍ و يبقى وجه ربك ذو الجلال و
الإكرام" لا خير في شئ من زادها إلا تقوى الله . حيها معرض للموت " كل
نفس ذائقة الموت " ، صحيحها معرض للسقم ووراء ذلك سكرات الموت و هول
المطلع و الوقوف بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين آساءوا بما عملوا و
يجزي الذين أحسنوا بالحسنى " .
بئست الدار لمن اطمأن عليها و هو يعلم انه تاركها و قد وصفها الله
بقوله سبحانه " أتبنون بكل ريع آية تعبثون م تتخذون مصانع لعلكم تخلدون
و إذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله و أطيعون "
اعتبروا بأهل القبور، و زوروا قبورهم فإن القبور تذكركم بالآخرة ،
زوروا المرضى بالمستشفيات فإن زيارتكم لهم تذكركم بالموت ، زوروا كبار
السن في منازلهم و تذكروا غدا أن شدتكم إلى ضعف مثلهم . تمعنوا رحمكم
الله في أصحاب القبور عند زيارتكم بهم فإنهم استبدلوا بظهر الأرض بطنا
و بالسعة ضيقا و بالأهل غربة و بالنور ظلمة فجاءوها كما فارقوها حفاة
فرادى مرهونين بأعماهم إلى الحياة الدائمة ، إلى الخلود الدائم ، إلى
دار اللذة و النعيم أو دار الحسرة و الجحيم، قال تعالى: " يوم نطوي
السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده و عدا علينا إنا كنا
فاعلين " و قال تعالى: " و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة و
تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم "
احذروا ما حذركم الله و رسوله و انتفعوا بمواعظه ، فكفى بالقرآن واعظاً
و كفى بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم واعظاً و كفى بالإيمان واعظاً و
كفى بالموت واعظاً و كفى بالقبر واعظاً و كفى بالنار واعظاً فمن لم
يتعض فلا حول ولا قوة إلا بالله .
من أكثر من ذكر الموت تجددت التوبة عنده و حصلت القناعة في قلبه و نشطت
العبادة لديه و من نسي الموت و لم يذكره ضيع التوبة و ترك القناعة و
تكاسل عن العبادة . فتفكر يا مغرور في الموت و سكرته و صعوبة كأسه و
مرارته ، فيا للموت من وعد ما أصدقه و من حاكم ما أعدله .
استعدوا للموت و سكرته و للقبر و ظلمته و ظمته و للسؤال و شدته " يثبت
الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة ".
......
منقول |
|
|